الشاعر سميح القاسم
تاريخ النشر : 2017-02-22 01:13

برلين - " ريال ميديا ":

فؤاد عبد النور*:

جاءَ في بعضِ المواقعِ الإلكترونيَّةِ، أنَّه في غمرةِ الحربِ العالميَّةِ الثّانيةِ، كانَ ثمَّةَ عائلةٌ فلسطينيَّةٌ مقيمةٌ في الأردن تعودُ إلى فلسطينَ بالقطار. وكانَ لديها طفلٌ راحَ يبكي، فخشيَ الرُّكّابُ أن تهتديَ إليهم الطّائراتُ الألمانيَّةُ، وهدّدَ بعضُهُم بقتلِهِ، ما اضطُرّ الوالدَ الضّابطَ إلى شهرِ سلاحِهِ في وجوهِهِمْ وإيقافِهِمْ عندَ حدّهِمْ. وحينَ علمَ الطّفلُ، في ما بعد، بهذِهِ الواقعةِ، علّقَ قائلاً: «حسنًا لقد حاولوا إخراسي منذُ الطّفولةِ. سأريهم. سأتكلّمُ متى أشاءُ، وفي أيِّ وقتٍ، وبأعلى صوتٍ. لن يقوى أحدٌ على إسكاتي!». وبالفعلِ، راحَ يتكلّمُ، ويتكلّمُ، ولم يقوَ أحدٌ على إسكاتِهِ، حتّى فعلَها الموتُ، في التّاسعَ عشَرَ من آب 2014، فرحلَ عن خمسةٍ وسبعينَ عامًا. سكتَ هوَ، وتركَ شعرَهُ يتكلّمُ. هذا الطّفلُ هوَ سميحُ القاسم.

كنت قد قابلت سميح القاسم مرة واحدة في مكتبه في حيفا من ضمن مسعاي للتعرف على رواد الفكر في حيفا,  تمهيداً لما كنت معتزما القيام به من الكتابة عن حيفا,  أنطلق منها إلى الساحل,  وإن أمكن حتى النقب.  كان آنذاك لا يزال متململاً في أحضان الحزب الشيوعي,  ولا بد أنها قد أصبحت أحضاناً باردة,  فنزع نفسه,  وانطلق حراً كشاعرٍ يزداد تألقاً  كلما نضج واشتد عوده,  دون قيودٍ  حزبية أو سلوكية,  وأصبح شاعر المقاومة دون منازع  بين فلسطينيي الداخل. 

لو سنحت لي الفرصة لأُقابله ثانية,  وآخذ منه حديثاً,  فإن أسئلتي  لن تكون أكثر ذكاءً من أسئلة  "علاء حليحل ", ابن قريتا المهدمة,  ولا كنت سأستخرج من سميح  أجوبةً صريحةً  مثل أجوبته  لعلاء.  إني سأختار بعض الفقرات من هذه المقابلة المطوّلة,  وأنصح  كل قارئٍ  مهتمٍ بقراءتها كاملةً  أن ينقر على موقع " قديتا. نت " ,  فيقدمها له الشيخ  غوغل  بكل  يسر.

أول ما تستعذبه منه هو تصريحه بكل بساطة أنه يتوقع الموت بسبب مرضه,  ولا يطلب من الموت سوى التأخر بعض الوقت لحاجته لإنجاز بعض الأمور:

 " لا أطلب سوى أن  يمهلني أنهي بعض الأمور العالقة.  أريد أن أزوج  ياسر ( ابنه الأصغر),  وأن أُصدر  بعض  الكتب الأخرى التي أعمل عليها.  من الممكن أن أكتب شغلة أخرى,  من الممكن.  ولكن إن جاء الموت –طُز عليه ! آمل أن يأتي الموت مرئياً.  فليأت  وأنا مستحمٌ,  مرتدٍ ملابس جميلةٍ  ومرتبة.  أنا أحب الأناقة  حتى في الموت.  أحبه أن يكون أنيقا,  ونظيفاً,  وجميلاً,  ومرتبا".

وعن تمويل مجلة " الكرمل ", ربيبة محمود درويش, فيقول:
"  لا يجوز أن تُنشر المجلة مجاناً على الويب.  غلط.   نحن في عالمٍ رأسمالي,  وحتى العمل الثقافي يجب أن يأخذ ذلك بالحسبان,  التمويل الأجنبي ليس دائماً, لا يمكنك أن تضمنه. . ممنوع ٌ أن تعتمد على التمويل.  يجب على المجلة الثقافية أن تموّل نفسها بنفسها.  وأن تصدر العدد على نفقتها بحدها الأدنى.  إذا كانت مجلة ما تحكي على فرنسا,  فلا يمكنك أن تهاجم  فرنسا.  في الثقافة يجب أن تكون واضحاً , وجريئاً,, وصريحاً,  وبكل معنى الكلمة."

وعن وجود نوع من العذر لابتعاد الطائفة الدرزية عن العروبة في إسرائيل,  يقول:

" الطائفة العربية الدرزية ليس فيها أي تناقض, عندما تجلس مع المسنين  والختيارية والمشايخ,  يقولون لك إننا عربٌ  ومسلمون,  وروحنا فلسطينية, ولكن يا عمي عندما جاء أهل هذه البلدة  أو تلك,  وفعلوا بنا كذا,  وسرقوا الأرض,  وسبـّوا ديننا,  والنبي شعيب,  وعندما جاءوا إلى الدالية,  وأخذوا زوجة المختار,  وأرجعوها بعد شهر. توجد قصصٌ قديمة تراكمت.  ثم جاء اليهود الأوروبيون وقالوا:  لن يقترب أحدٌ من دينكم وعرضكم,  وما شابه من هذا الكلام,  سنحميكم,  عندها أحسوا بالفرق في المعاملة. توجد رواسب قديمةً نعم. السؤال هو:  هل على جيلكم  وجيلنا أن يستسلم لهذه الرواسب.  خذ ساجور مثلاً,  هنا في فترة من الفترات تحولت ساجور إلى معسكر للجيش,  ذهبوا للجيش جميعهم.  تسألهم  لماذا؟  بماذا نفعكم الجيش؟  يقولون لك, جيراننا بسبونا,  بسرقونا,  وببهدلونا.  جاء اليهود وشغّـلونا.  صرنا نمتلك نقود, ونشتري سيارات,  وهذا طبيعي في مجتمع  مثل المجتمع العربي بشكل عام".

هذا شاعرٌ درزيٌّ  مثقف.  أشعاره يرددها الكبير قبل الصغير. هو من أنشد:

تقدموا.. تقدموا ! / كل سماء فوقكم جهنم /كل أرض تحتكم جهنم /  تقدموا !  / يموت منا الشيخ والطفل / ولا نستسلم / وتسقط الأم على أبنائها القتلى / ولا تستسلم / تقدموا  بناقلات جندكم / وراجمات حقدكم / وهددوا / وشرّدوا / ويتّموا / واهدموا / لن تكسروا أعماقنا / لن تهزموا أشواقنا / نحن قضاءٌ مبرم.

يُـلمّح  سميح  القاسم  بكلمات بسيطة,  ولكن عميقة عن آلام متوارثة عند  الدروز.  إننا عندما نلوم  الدروز لأن  بعض مشايخهم اختاروا أن يصطفّوا مع الدولة الصهيونية لاعتبارات كثيرةٍ  منها  الرغبة في حماية أنفسهم,   أو لمصالح أنانيةٍ  ذاتيةٍ,  نلومهم, وننسى أن الدروز قد تعرضوا باستمرار خلال تاريخهم الطويل إلى اضطهاد السنة  لهم بشكل عام،  ولولا المعاصي الجبلية  التي التجأوا إليها  في فلسطين وسورية ولبنان,  لما بقي أحد منهم  يتحدث مع أحدٍ  إلى هذا العصر.

"  ولكن أظن أنها فرصتنا الآن,  كما لمّح علاء,  لقد هجرنا الطائفة الدرزية,  وكان هناك تجنيدٌ  إجباريٌ وملزم.   كان علينا رغم ذلك أن نحتضن العرب الدروز, ونقول لهم أن لديهم حضنٌ  دافئٌ,  وانتماءٌ,  ولكننا قمنا برد فعلٍ عكسيّ   كبيرٍ,  وهجمةٍ عاتية,  مما زاد في عملية الإبعاد,  والابتعاد."

من الممكن أن أضيف لكلمات علاء,  أن الدروز يكتشفون الآن أن الصهيونية قد أخلفت في وعودها لهم.  بعد أن ظنت أنها قد نجحت في فصلهم عن الأمة العربية, يتعرضون الآن  مثلهم مثل جيرانهم  إلى مصادرات للأرض  بالقوانين العديدة, والمتعددة,  ويُخنقون بالمستوطنات,   ولا يستطيع  شبابهم  بناء  بيوتٍ  يتزوجون فيها, ولا تستطيع أجهزة الدولة إخفاء أنهم لا يزالون مصدر تشككٍ,   كما حصل مؤخراً  من  منع  مجندين دروز من دخول معسكر ديمونا,  رغم أنهم كانوا في مهمةٍ رسمية.

   --------------

أكرمني السيد بشير شلش, الناشر, وصاحب " دار راية للنشر"  بإهدائي  كتاب سيرة حياة سميح القاسم " إنها مجرد منفضة ".  الحقيقة أني  أتمتع عندما أقرأ  نثراً  لشاعرٍ مبدعٍ , رغم بعض النرجسية في الكتاب ! فيه الكثير من القفشات, والكثير من استقلال سميح الفكري. من إحدى تلك الدلائل معارضته  لِ " اتفاق أوسلو" , ونشر تلك المعارضة في مجلة  " المصور" المصرية, مما أثار عرفات, وبرّر له ذلك الاتفاق بالظروف الدولية والعربية.

ولكن ما لفت نظري جداً, حادثة أخرى, عن لقاءٍ آخر بعرفات, حين كان الالتقاء به محظوراً.  كان برفقة النائب الشيوعي توفيق طوبي. فلنقرأ كلماته هو في الصفحة 323:

"  المكان التشيك, وكان برفقة أبو عمار القادة الأشقاء  أبو جهاد  وأبو إياد. وبعد وجبة لائقة,  قال أبو عمار: " هات يا أبو جهاد الهديتين ".

أحضر أبو جهاد الهديتين المخصصتين لزوجة توفيق طوبي ولزوجتك.  وكانت الهدية سنسالاً من الذهب, معلقةٌ به خريطة فلسطين, ومن الذهب أيضاً.

تقبلتما الهديتين الجميلتين, ولكنك كنت مصراً على المشاكسة,  فقلت:

" سبحان مغيّر الأحوال.. في ثورة ال 36  كتب أحد المجاهدين الأسرى على جدار سجنه بقطعة فحمٍ , قصيدةً شعريةً  عاميةً  من أجمل الشعر في العالم كله. وفي القصيدة مقطعٌ يقول:

وبكره المَرَه كيف راح تقضي نهارها     ويلها علي,  وويلــــها  عَ صغــــــارهـــــــا

ياريـتــني خـلّيــت بإيــدهـــا  ســوارهــــــا      يوم دعاــني الحرب تاشتري سلاحو !"

" سبحان الله. سبحان مغيّر الأحوال يا إخوان. كانت جداتنا وأمهاتنا تبيع مصاغها الذهبي ليشتري  الأجداد والآباء سلاح الثورة. . إما الآن فأرى أن الثورة هي التي توزّع الذهب على نساء الشعب!

قهقه أبو إياد شامتاً : قلت لكم.. ألم أقل لكم!

     --------------

أمضيت عدة ليالٍ في  البحث عمن نظم هذه القصيدة. لا أُخفي ضيقي من سميح القاسم  لأنه ذكر البيتين منها دون اسم الشاعر, ومن أين استشهد بها. إلى أن وجدتها, بعد جهدٍ جهيد فعلا. ووجدت بعض العذر لسميح, لأنها وجدت مكتوبةً  على جدار سجن عكا, واالتوقيع  تحتها " عوض ". غريب أن لا يعرف القائل, رغم أن الحادث لا بد أن يكون مسجلاً, خاصة وأنه يُفهم من أبيات القصيدة أن  أخّين للشاعر قد أُعدما قبله. القصيدة  كاملة:

فى ليلة الإعدام

ياليل خلّي الأسير تَ يِكمل نواحه

رايح  يفيق الفجر وِيْرفرف جناحه

تَ يْمرجح المشنوق في هبّـة رياحه

 

ياليل وقّـف .. تَ  قاضى كل حسراتي

يمكن نسيت مين أنا ونسيت آهاتي

يا حيف كيف انقضت بيديك ساعاتي

شمل الحبابيب ضاع وتكسرت اقداحه

 

لا تظن دمعى خوف .. دمعى على اوطاني

و عَ  كمشة زغاليل فى البيت جوعاني

مين راح  يطعمها بعدي  و اخواني

شباب اثنين قبلـي عَ  المشنقة راحوا

 

وبكرة  مراتي  كيف راح تقضي نهارها

ويلها علي  وويلها عَ  صْغارها

يا ريتنى خليت فى إيدها سوارها

يومِ  ان دعتنى الحرب تَ  شْترى سلاحه

 

ظنيتِ  لْنا ملوك تمشي  وراها رجال

تخسا الملوك إن كانوا هيك أنذال

والله تيجانهم ما يصلحوا لنا نْعال

إحنا اللي نحمى الوطن ونضمّد جراحه

*باحث فلسطيني مقيم في برلين: